عمرو خان يكتب .. نهب ثروات القارة “الكنز” (1)

0 68

بقلم:عمرو خان

- Advertisement -

“عندما جاءت البعثات التبشيرية الأوروبية إلي إفريقيا، جاءوا ومعهم الكتاب المقدس وكانت الأرض معنا، قالوا لنا:” لنصلِ .. أغمضنا أعيننا وعندما فتحناها وجدنا الكتاب المقدس معنا والأرض معهم”-بحسب مقول القس الجنوب إفريقي ديزموند توتو-“.

لخصت مقولة “ديزموند توتو” حال إفريقيا مع مستعمريها وكيف نهبت ثروات القارة الغنية بالثروات، وكيف تحول شعبها لثلة من الفقراء الذين يتصدق عليهم العالم من الأموال التي نهبت منهم.

قارة “الكنز” والكثير من مقومات الحياة

في القرن الخامس عشر من القرن العشرين، كان إفريقيا قارة لا يعلم عنها الكثير، وكان شكالهاأكثر تحضرًا، نظرًا للحضارات التي أقيمت بداخل حدوده وعلى الأطراف، وكان أبرزها الحضارة الفرعونية المصرية.

ولكن الأوروبيون ألتفتوا إلي هذه القارة، وتعرضت إفريقيا إلي غزو استعماري منذ ذلك الحين وحتي الآن بشتي الطرق، ففي مطلع القرن العشرين شهدت القارة السمراء غزو استعماري صليبي أوروبي ولكنه لم يدوم طويلًا، حتي خلصت الدولة الإسلامية إفريقيا من هذه الغزو، ولكن الدولة العثمانية لم تستطيع الحفاظ على مكتسباتها من هذه القارة التي كانت منفذ العبور إلي أوروبا، وتحولت العديد من المناطق الإفريقية إلي ممالك إسلامية.

استطاع الأوروبيون أن يستعيدوا عافيتهم سريعًا، وعادوا لغزو إفريقيا مرة أخري، ووجدوا الأوروبيون تغرة يعبروا منها إلي إفريقيا، ونجحوا في العبور منذ ذلك الحين، وسيطروا عليها، ومارسوا كافة أشكال السطووالنهب لثروات القارة “الكنز”، واستباحوا كل ما هو ذات قيمة في باطن الأرض السمراء وما فوقها، حتي البشر استخدموهم في نهب ثروات أرضها، بل واستعبدوهم، وحاولوا مسح هويتهم الحضارية والتاريخية والثقافية. 

وكان أول من قام بأولي هجمات السطو والنهب الاستعماري على إفريقيا البرتغاليون، ثم الأسبان، والفرنسيون والإنجليز والإيطاليون، وقسم القارة من شمالها إلي جنوبها، ومن مشرقها إلي مغربها.

وفي هذا يري المفكر الجنوب إفريقي ستيف بيكو Biko Steve (1946-1977 )- ةهو واحد من أشهر مفكرى تيار الوعى الأسود الذين اهتموا بالبحث فى أسس الهوية الأفريقية- إن من أهم الأبعاد التى استنفذتها سياسات الاستعمار الأوروبية التشويهية، إنهم حاولوا تدمير المحتوى الثقافى للتاريخ الإفريقي، وحاولوا تصويره بأنه تاريخ جماعات متفرقة، وأن أبطالو كانوا دمويين، وأن هذه القارة لا تصلح سوى لجماعات متفرقة، ولا تصح لقيام دول، ولا لوجود كيانات اتحادية، ولهذا فمن حق الأبيض أن يستعمرها، وأن يستغل سكانها؛ على أن ينقل الحضارة إليها.

في كثير من الأحيان .. يجب أن يموت الآخرين

بعد هذا العبور السريع على ملمح تاريخي للقارة الإفريقية، نستعرض ملمح أخر في عجالة حول ثروات باطن الأرض السمراء، فلايوجد دولة إفريقية لا تحتوي أرضها على ثروات طبيعية مثل (الألومنيوم، كوبالت، الكولتان والمعادن المطحونة، نحاس، الماس، غاز، ذهب، حديد، نفط، البلاتين،القصدير، التيتانيوم، اليورانيوم)، ولكن الأكثر تقديرًا لهذه الثروات ولأهميتها هم الأوروبيون والأمريكان عن معظم أبناء القارة السمراء الذين قدر لهم أدارة سياسات دول القارة “الكنز”.

ولما كان الغرب يسعي إلي فرض سلطاته ونفوذه على كوكب الأرض كانت ثروات إفريقيا الطبيعية والبشرية هي وقود الحرب العالمية الأولي والثانية-بمشاركة قراب 3 مليون إفريقي في خطوط الدفاع الأمامية-، ولما أرادوا قيام ثورة صناعية كان رأس مالهم من ثروات القارة”الكنز”، ولما أرادوا مزيد من السرقة والنهب استداروا إليهم بوجه عطوف حنون بمد يد العون للقضاء على الفقر والجوع والأمراض والأوبئة في شكل معونات هي في الأصل من خيرات إفريقيا، كما استغلوا حالة التخلف السياسي بمزاعم نقل التجربة الديمقراطية وكانت النتائج مزيد من النزاعات والصراعات والحروب الأهلية بين الدول الإفريقية، خلفت مئات الآلاف من القتلي، وخلقت مجتمعات متفرقة دائمة الشتات والنزوح والهجرة.

ونحن الآن في 2023-في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين-، نشهد تغير شامل في مراكز القوي الدولية، في ظل أزمات اقتصادية خلفتها الحروب، وكوارث طبيعية وبيئية خلفها النشاط الإنساني المضر بالبيئة، والواقع يقول أنه بات من الصعب- الذي يرتقي إلي درجة المستحيل- أن يستطيع العالم أن يحافظ على حياة كل البشر في المستقبل القريب خاصة في ظل اليقين بأن نهاية العالم مرهونة بارتفاع درجة الحرارة عن 1.5 درجة مئوية.

وما يترتب على هذا التحدي- الذي يحتاج إلي معجزة في زمن الثورة التكنولوجية التي لا حد لها، وفي مجتمع دولي تسيطر عليه العولمة من كل الجوانب-، أن الغرب يري: أنه من أجل الحفاظ على بعض البشر وخاصة الأبيض منها لابد من التضحية ببعض البشر من ذوي البشرة السمراء، الذين من وجهة نظر الغرب لا يصلحون للعيش في هذه الحياة رغم أنهم المالك الأكبر لثرواتها.

وكم من الثروات تمتلك إفريقيا؟

ويري توم بورجيسTom Burgis   -هو كاتب شهير ومراسل صحفي استقصائي حائز على جوائزعدة، نشر كتابه الأول “آلة النهب” The Looting Machine، في عام 2015، وكشف كيف أن استغلال الموارد الطبيعية الهائلة لأفريقيا يحكم على القارة بالفساد والصراع والفقر. ووصفته صحيفة نيويورك تايمز بأنه “كتاب شجاع متحدي”. وقد فاز بجائزة نادي الصحافة في الخارج لأمريكا لأفضل كتاب لهذا العام عن الشؤون الدولية.

وأخيرًا نشر كتابه الثاني “Kleptopia، في عام 2020، وكشف كيف تغزو الأموال القذرة العالم، وأصبح من أكثر الكتب مبيعًا على مستوى العالم، لكشفه الروابط الخفية التي تربط بين مذبحة في سهول كازاخستان وانتخابات مسروقة في زيمبابوي بمدينة لندن والبيت الأبيض، ويُظهر الكاتب كيف أن الفاسدين في العالم – أولئك الذين يحكمون من خلال الفساد – يتحدون ويهددون بالتغلب على الديمقراطية.

وكان  في كتاب  “توم بورجيس” الأول “آلة النهب”، حديث مستفاض حول ثروات القارة “الكنز” المنهوبة، إذ رأي “بورجيس”:” إن لعنة الموارد ليست فريدة من نوعها بالنسبة لأفريقيا، لكنها في أشد حالاتها خطورة في القارة التي تعد في الوقت نفسه تضم أفقر دول العالم، رغم إنها أغنى دول العالم”ويستطر قائلًا:” تمثل أفريقيا 13 في المائة من سكان العالم، و2 في المائة فقط من الناتج المحلي الإجمالي التراكمي، لكنها مستودع 15 في المائة من احتياطيات النفط الخام على كوكب الأرض، و 40 في المائة من الذهب، و80 في المائة من البلاتين – وربما يكون هذا أقل تقديرًا”.

لقد حصر الصحفي الإنجليزي “بورجيس” ثروات إفريقيا في كتابه حصر جغرافي وأشار إليها في سرد أدبي شديد البلاغة يقول قائلًا:”  توجد مناجم الألماس في إفريقيا، وكذلك رواسب كبيرة من اليورانيوم، والنحاس وخام الحديد والبوكسيت (الخام المستخدم في صناعة الألمنيوم) وأيضا اليورانيوم في صحراء النيجر، والكوبلت في الكنغو ..  ولكن مقابل كل امرأة في سن المراهقة في فرنسا، يموت المئات في دولة النيجر الصحراوية، المصدر الرئيسي لليورانيوم الذي يغذي اقتصاد فرنسا بالطاقة النووية”.

وأيضًا يقول “بورجيس”:” يمكن للفنلندي العادي أو الكوري الجنوبي أن يتوقع أن يعيش حتى الثمانين، في ظل رعاية اقتصادية من الشركات الكبري مثل ” نوكيا” و”سامسونج”، أكبر شركتين مصنّعتين للهواتف المحمولة في العالم .. على النقيض من ذلك، إذا كنت قد ولدت في جمهورية الكونغو الديمقراطية، موطن بعض أغنى رواسب المعادن على كوكب الأرض التي تعتبر ضرورية لتصنيع بطاريات الهواتف المحمولة، فستكون كذلك محظوظ إذ تجاوز عمرك الخمسين”.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

en_USEnglish