استخدام الطاقة الشمسية الحرارية في السودان

0 622

بقلم :د.سماح محمد هاشم

- Advertisement -

هذا المقال يتناول موضوع الاستفادة من الطاقة الشمسية الحرارية في السودان من حيث التقنيات والتكلفة والاستخدامات وأيضا يتناول تجارب الدول المشابهة لنا في المناخ وكيف استفادت من هذه الطاقة النظيفة.

تمد الشمس الكرة الأرضية بالطاقة عن طريق اشعاعات ذات طيف واسع وتصل معظم الطاقة من الشمس الى الأرض في صورة اشعة حرارية واشعة ضوئية حيث تبلغ نسبة الطاقة الحرارية 47% وتبلغ نسبة الطاقة الضوئية 43% من الطاقة الكلية للإشعاع الشمسي. ويعد السودان من الدول التي تنعم بإشعاع شمسي مباشر (DNI)على مدار العام يصل الى2500 kWh/m2/year  وبهذا يصنف كمنطقة ذات إمكانية عالية الى ممتازة لإنتاج الكهرباء عن طريق الطاقة الشمسية الحرارية ( المصدر IRENA).

استفاد الانسان من الطاقة الشمسية الحرارية منذ أقدم العصور حيث استخدمت في التجفيف وفى العديد من العمليات التحويلية للإنتاج الزراعي والحيواني ولازالت حرارة الشمس من اهم مصادر الطاقة في الصناعات التحويلية ولكن أدت الثورة الصناعية والتوسع الكبير في الآلات الكهربائية في المصانع واستخدام الافران الكهربائية الى التراجع في استخدام حرارة الشمس في عمليات تصنيع المنتجات الغذائية بالرغم من انها طاقة نظيفة ورخيصة ومتوفرة. من أسباب هذا التراجع هو ان الدول الصناعية الكبرى لا تتوفر فيها الطاقة الحرارية للشمس بصورة كبيرة ومجدية.

تستخدم الطاقة الشمسية الحرارية بصورة مباشرة كحرارة وبصورة غير مباشرة عن طريق تحويلها الى طاقة كهربائية في صورة محطات طاقة حرارية شمسية.

عالميا نمت تقنيات استخدام الطاقة الشمسية الحرارية نموا سريعا في العقدين السابقين وخاصة في مجال انتاج الكهرباء   حيث ينتج العالم حوالي 7 قيقا واط من الطاقة الكهربائية عن طريق الطاقة الحرارية الشمسية وتنتج اسبانيا وحدها 2.3 قيقا واط وتنتج المغرب 380 ميقا واط.

للحصول على طاقة كهربائية من الطاقة الحرارية للشمس يتم تركيز اشعة الشمس على مائع حراري (Heat Fluid) ثم بواسطة المبادلات الحرارية (Heat engines) يتم تشغيل التوربينات (Turbines) ومن ثم المولد الكهربائي. اذن فطريقة عمل المحطات الحرارية الشمسية هي نفس طريقة عمل المحطات الحرارية العاملة بالوقود التقليدي ولكن يكمن الفرق في مصدر الحرارة ففي المحطات الحرارية التقليدية يتم حرق الوقود مثل الجازولين او الفيرنس او الغاز او الفحم للحصول على الحرارة ثم تحويلها الى الكهرباء عن طريق تشغيل التوربينات بواسطة المبادلات الحرارية.

التقنيات المطلوبة للاستفادة من الطاقة الحرارية للشمس هي تقنيات تركيز اشعة الشمس عن طريق المرايا والعدسات ولها العديد من الاشكال أهمها وأشهرها القطع المكافئ (Parabolic trough) والطبق الشمسي (Dish) ثم الأبراج الشمسية (Power tower). وكلها تتبع مبدا عمل واحد وهو تركيز اشعة الشمس على بؤرة واحدة للحصول على أكبر طاقة ممكنة من الاشعاع الشمسي ثم استيعابها وتخزينها في المائع الحراري تمهيدا لتوصيلها للمبادلات الحرارية.

من مزيا انتاج الكهرباء عن طريق الطاقة الشمسية الحرارية هو ان التقنيات المستخدمة غير معقدة ولا تتطلب مصانع ذات مواصفات عالية مثل تصنيع الخلايا الشمسية من السيلكون وانما تتطلب مرايا عاكسة لأشعة الشمس. أيضا من مميزات استخدام الطاقة الحرارية الشمسية لتوليد الكهرباء هو إمكانية تخزين الطاقة في شكل حرارة عند استخدام الملح كمائع حراري، يمكن تخزين هذا الملح في صورته السائلة في مستودعات معزولة حراريا وهذا يجعل محطة الطاقة الشمسية الحرارية تعمل ليلا ونهارا دون الحاجة لبطاريات. من المعلوم ان من أكبر مشاكل الطاقة الشمسية الضوئية هو الحاجة للبطاريات.

من عيوب انتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية الحرارية هو انها تحتاج دائما الى شعاع مباشر مما يتطلب استخدام متابعات (trackers) لحركة الشمس. وتعتبر منطقة الصحراء الكبرى – ومنها شمال السودان- من أفضل المناطق لتوليد الكهرباء من هذا النوع من الطاقة لأنها منطقة جافة قليلة السحب وتقع بين المدارين فتتعامد عليها الشمس مرتين في العام مما يؤدي الى توفر اشعاع شمسي مباشر على مدار العام.

وفي إطار الاستفادة من تجارب الدولة المجاورة تخطط دولة مصر للاستفادة من الطاقة الشمسية الحرارية بشقيها الاستخدام المباشر للحرارة والاستخدام لإنتاج الكهرباء. بالنسبة للاستخدام الحراري المباشر بدأت في الاستفادة من الطاقة الشمسية الحرارية في جانبين أحدهما في قطاع الصناعات الغذائية بأحد المجازر الآلية للدجاج، والآخر في قطاع الغزل والنسيج وهو مصنع “مصر-حلوان للغزل والنسيج”. نتج مشروع المجزر الآلي 28 متر مكعب/يوم من المياه الساخنة التي تتراوح درجة حرارتها بين 50-60 درجة مئوية. ويتضمن منظومة لاسترجاع الحرارة المفقودة في المجزر ويوفر حوالي 345 طن بترول مكافئ سنوياً. أما مشروع “مصر-حلوان للغزل والنسيج فينتج 48 متر مكعب في اليوم من المياه الساخنة التي تتراوح درجة حرارتها من 65-75 درجة مئوية ويتضمن أيضاً منظومة لاسترجاع الحرارة المفقودة بالمصنع ويوفر حوالي 1450 طن بترول مكافئ سنوياً.

اما بالنسبة لإنتاج الطاقة الكهربائية من الطاقة الشمسية في مصر

في السودان هنالك تجارب ناجحة في استخدام الطاقة الشمسية الحرارية في الصناعات التحويلية للأغذية مثل مصنع (سولارا) الذي يستخدم الطاقة الشمسية الحرارية لتجفيف المنتجات الغذائية ومن ثم تغليفها وتوزيعها داخليا وتصديرها الى الخارج. يمكن تشجيع مثل هذه الاتجاهات التي تعمل على الاستفادة مباشرة من حرارة الشمس دون المرور بعملية التحويل الى طاقة كهربائية منتظمة مع ما تحتويه من فقد في الطاقة ثم التحويل مرة أخرى الى حرارة عن طريق الافران الكهربائية. اغلب الصناعات الصغيرة والمتوسطة خاصة الصناعات الغذائية والإنتاج الحيواني لا تحتاج الى درجات حرارة مرتفعة ويمكن الوصول الي الحرارة المطلوبة بسهولة عن طريق استخدام المركزات الشمسية. بالنسبة للصناعات الثقيلة التي تحتاج الى حرارة مرتفعة مثل صناعات الصلب والاسمنت فيمكن الوصول الى حرارة متوسطة عن طريق اشعة الشمس واستخدام الكهرباء او الوقود التقليدي للوصول للحرارة المطلوبة وبالتالي خفض فاتورة الوقود والكهرباء الى النصف على اقل تقدير.

ينعم السودان بشمس ساطعة مشرقة طوال أيام السنة وهذه ثروة من الطاقة يمكن ان يستفاد منها بطرق عديدة والتقنيات المطلوبة لهذه الاستفادة هي تقنيات مجربة واتت بنتائج ممتازة وتعمل في العديد من الدول لعدد من السنوات ويحتاج السودان فعلا للاستفادة من هذه الطاقة لتشغيل عجلة الإنتاج واضافة قيمة اقتصادية لمنتجاته الزراعية والحيوانية.

د. سماح محمد هاشم أستاذ مساعد في كلية الهندسة جامعة الخرطوم واستشاري في مجال الطاقة المتجددة والطاقة الشمسية

Leave A Reply

Your email address will not be published.

en_USEnglish